كتبه : د.عبد الله ابوبكر شيخ حسين

حي الظاهر – المدينة المنورة

يوم الثلثاء ۱٩ ذي الحجة ۱٤٤٥ه

إن أداء فريضة الحج تختلف عن أداء باقي الفرائض في أنها تجسد الآية القرآنية ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون الأنبياء( 92 ) فهذه الفريضة تشحن في قلوب المسلمين معاني الوحدة في الاتجاه إلى إله واحد في زمن ومكان واحد بزي واحد ، أمة واحدة. تدين بعقيدة واحدة. وتنهج نهجا واحدا. هو الاتجاه إلى الله دون سواه، فهذ الركن الذي لايصح أداؤه بالانفراد ، بل لابد أن يشترك في أدائه ملايين المسلمين في وقت معين ومكان محدد (مايزيد على ۱۸۳۳۰۰۰) في هذا العام ،.

ويستشعر الحاج وهو يخوض – في باحات الحرمين أو المشاعر المقدسة – جهادا لاقتال فيه ،فيشاهد ملايين المسلمين متضرعين إلى الله مقبلين عليه وقلوبهم مفعمة بالخوف من الله والرجاء فيه، وفي عرصات عرفة خاصة يجذبك احساس يُذكّرك بقوله تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين[ الروم: 22]،فلاتجدلغة في هذا العالم إلاوتسعمها في عرفات تدعواالله ،ولاتجد لونابشرةإنسانإلاوتجده هناك .

وإذا أمعنت النظر إلى الأمواج البشرية التي تفترش باحات الحرم المكيوالمدني ،أو الأمواج البشريةالتي تصعد أوتهبط من الجمرات يشدك هذا المشهد إلى عظمة الخالق الذي خلق هذه الألوان والألسن المختلفة ،ويدعون الله بألسنتهم المختلفة، ولكنهم متحدون في:التكبير،والتهليل،والتلبية.

فهذا المشهد الذي يحتضن ممثلين لأرجاء المعمورة كلها يُذكرّك بمشهد سجّله التاريخ الإسلامي ،ألا وهو احتضان المدينة المنورة لكل المسلمين الذين كانوا على وجه الأرض آنذاك ،وذلك حينما هاجر المجنمع المكي إلى المدينة المنورة ،وتوحدوا مع المجتمع المدني الذي كان قدتهيّا لاستقبالهم .

قالرسول ﷺلمّا أذن الله له الهجرة إلى يثرب ، واختارها لسكن وروضة المصطفىﷺ وهاجر إليها ،فصارت هذه الهجرة حدثا تاريخيا استنبط منه العلماء دروسا وعبرا  تنير الطريق للمسلمين ،وكانت أحداث الهجرة عبارة عن : مقدمات ،وأحداث وقعت في طريق الهجرة ، وأحداث وقعت بعدوصول النبي ﷺوصاحبه إلى يثرب .

فلاأريد هنا أن أستعرض تلك الأحداث كما تستعرضها وتتناولها كتب السيرة ،أو المتحدثين في مناسبات ذكرى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل أتحدث وأتناول جانبا استوقفني في أيام الحج ،ورأيت أنه اهتم به النتي صلى الله عليه وسلم بُعيد وصوله للمدينة وقُبيل استقراره فيها ، وهذا الجانب كان مفروضا أن يسود حجاج بيت الله الحرام الذين أتوا من بقاع الأرض ،ومن كل فجّ عميق.فأربط بين المجتمع المدني الذي كوّنه الرسول ﷺ في المدينة ،وبين ملايين المسلمين الذين يجتمعون في كل سنة في الحج ،وأبرز الحلقة المفرغة هنا ،والتي بذل النبي ﷺ بكل جهده أن يوجده – وأوجده- في ذلكم المجتمع المدني بتوجيه إلهي

فالرسول ﷺقام عند قدومه ليثرب بأعمال معينة ،وهذه الأعمال كانت كلها تدور في محور واحد وهو دمج المجتمع المكي المسلم بالمجتمع المدني المسلم ، وكان في يثرب عند قدوم النبي محمد ﷺمجتمع يختلف عن المسلمين في الدين ،ولكن يُشاركهم في الوطن ،فوضع الرسول ﷺميثاق يوحّد بين  المجتمع المسلم المكوّن من المهاجرين  والأنصار، وبين اليهود الوطنيين الذين يعيشون في المدينة ،وهذا الميثاق يُدمج مجتمع اليهود في جوانب كثيرة في الدولة المسلمة الوليدة التي تكوّنت في الدينة .

فالمجتمع المكي الذين وصلوا إلى يثرب بأمر إلهي وطاعة لرسول الله  قد أتى من بيئة مختﷺلفة تماماً عن البيئة التي أتوا إليها ، ومن طبيعة البشر تعلقه بمولده ومنشئه،إضف إلى ذلك أنهم تركوا ذويهم وأموالهم ،فلم يأخذوا من أموالهم شيئاً ، ففي هذا شعور واحساس لايفارق صاحبه بسهولة ، وهذا ما تبدى من الصحابة كماترويه عائشة رضي الله عنها  قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، قدمها وهي أوبأ أرض الله  من الحمى ، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم ، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ. قالت : فكان أبو بكر ، وعامر بن فهيرة ، وبلال; موليا أبى بكر في بيت واحد ، فأصابتهم الحمى ، فدخلتُ عليهم أعودهم ، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك ، فدنوت من أبي بكر ، فقلت : كيف تجدك يا أبه ؟ فقال :

كل امرئ مصبح في أهله     والموت أدنى من شراك نعله

قالت : والله ما يدري أبى ما يقول . قالت : ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت : كيف تجدك يا عامر ؟ قال :

لقد وجدت الموت قبل ذوقه     إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه     كالثور يحمي جلده بروقه

قالت : فقلت : والله ما يدري عامر ما يقول . قالت : وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ، ثم رفع عقيرته فقال :

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة     بفخ وحولي إذخر وجليل

 وهل أردن يوما مياه مجنة     وهل يبدون لي شامة وطفيل

فنلحظ من كلمات بلال الشوق والحنين إلى مكة المشأ ، ونلحظ أيضا من حديث عائشة أن أثرياء مكة مثل ابي بكر يسكن في غرفة واحدة مع فقراء مكة مثل بلال ،وذلك لتجردابوبكر من ماله وثرواته ؛استجابة لله ولرسوله ﷺ، وحتى يُخفّف الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابههذا الشعور دعى الرسول ﷺربه بهذا الدعاء كماتذكره أمنا عائشة بنت ابي بكر رضي الله عنهما  قالت : فجئت رسول الله ﷺفأخبرته ، فقال : ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، وصحّحها ، وبارك لنا في صاعها ومدها ، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة فالمدينة المنورة اكتسبت حرمتها وفضلها بدعاء النبي ﷺ وبأنها اصبحت سكن النبيﷺحيا وميتا ﷺ

فهكذا كانت حالة الصحابة المهاجرين يشُدُّهم الشّوق والحنين إلى مكة ؛وفي الجانب الآخر كان الأنصار يعيشون في بيوتهم وبين أهلهم ،فأراد الرسول ﷺأن يُخفّف عن المهاجرين شعورهم بالغربة ، وتذكُّر الأرض والديار والأهل الذين هاجزوا عنهم في الله

فآخى بين المهاجرين والأنصار ، وقدّم الأنصار أروع أشكال التضحية ،وجسّدوا حقيقة عقد الأُخوّة التي عقدها النبي ﷺبين المهاجرين والأنصار في صورة واقعية رائعة ،فوضع الأنصار أموالهم وأزواجهم  بين يدى إخوانهم المهاجرين  ،وجعلوها تحت تصرفهم يأخذون من أموالهم ماشاءوا ، ويتخيرون من زوجاتهم من شاءوا ، ولكن لم يكن موقف المهاجرين من هذا النُّبلُ العظيم من الأنصار إلا أن قالوا لهم : بارك الله في أموالكم وأزواجكم ،فدلونا على السوق .

فصار ذلك أروع مثال سجّله التاريخ البشري لبذل وتضحية أخ لأخية ، ومقابلة ذلك بالشكر والعرفان وماذلك الا تجسيدا لحقيقة الأخوة الصادقة التي غرزها الإسلام في نفوسهم ،وامتثالا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحض على الأخوة والتحابب في الله والتراحم فيه ،ونذكر بعضا من هذه النصوص  التي رسّخت هذه الروح في نفوس تلامذة المدرسة المحمدية التطبيقية:

فمنها قوله تعالى : ( وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ۚ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا ) آل عمران  الآية (۱۰۳) ،وقوله تعالى (إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) الحجرات أية رقم  (۱۰)وقوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).الحشر آية[١٣] وقوله -تعالى-: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) الأعراف آية رقم ٤۳

ومن الأحاديث  قول الرسول ﷺ: المسلم أخو المسلم) وقوله ﷺ (وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا) وقوله ﷺ (ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه) وقوله   ﷺ  (المؤمنُ مِرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخو المؤمنِ: يكفُّ عليه ضَيعتَه، ويحوطُه من ورائِه) .

ومن الأخلاق التي متنت العلاقة الأخوية بين مسلمي المدينة ،وأذهبت عنهم العصبية ،والنعرات الجاهلية خلق التراحم والتعاطف والتآزر بينهم ،وحمل المعسر منهم ،

ويُعدّ التراحم والتعاطف بين المسلمين قيمة أخلاقية ، وسمة حضارية وإنسانية؛ لها أثرها البالغ في الحياة الاجتماعية، ودورها كبير في إشاعة روح التضامن والتكافل والترابط بين الناس، كما أنها سبب لنزول رحمات الله.

والتراحم بين الخلق يعني نشر الرحمة بينهم، يعني التآزر والتعاطف والتعاون، يعني بذل الخير والمعروف والإحسان . ولاأدل على الحث بهذا الخلق من حديث رسول الله ﷺ  ”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”ففي الحديث تنبيه إلى أن التراحم بين المؤمنين من أهم مظاهر الوحدة ووصول الأمة إلى تحقيق مفهوم الجسد الواحد، مع التوادد والتعاطف.

ومن الأعمال المهمة التي قام بها النبي  ﷺ  ويصُبُّ في محور دمج المجتمع المسلم فيما بينهم

بناء المسجد ،فلاحاجة هنا أن نستعرض رسالة المسجد ومكانته التعليمية والتربوية في الإسلام ، ولكن الذي نشير إليه هنا هو أن المسجد هو المحضن الذي يُحقق فيه المعاني السامية للقيم الإسلامية ، وخلق :الأخوة ، والتراحم والتعاضد والتعاطف والتعاون ،ومن المسجد يتربى النشيء على تلكم الأخلاق الإسلامية ويرونها عمليا وهي يمارسها الكبار ويطبقونها، ففي المسجد يجتمع المسلمون بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والإقتصادية فيصطفون صفا لايتأفّف الثري عن الفقير الرث في ثيابه وفي مظهره ،بل يلصق قدمه بقدم الفقير ، ويّلبّي قوله ﷺ (رُصُّوا صفوفكم ، وقاربوا بينها ، وحاذوا بين الأعناق ) وعند تلقي العلم في المسجد من رسول الله ﷺأمر الله بالتوسع ،ولين الجانب بين المسلمين ،فقال تعالى  ﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا ﴾ المجادلة آية رقم ۱۱ ،  أي إن أنتم تفسحتم؛ فإن الله تعالى يكافئكم فيوسع عليكم في الدنيا بسَعَة الرزق، وفي البرزخ وفي الآخرة في غرفات الجنان

فاهتمام الرسول ﷺ ببناءالمسجد يشير إلى أن المسجد هو الوسيلة الكفيلة لإقامة مجتمع إسلامي متماسك متآلف ؛لذا جعل ﷺ أول عمل قام به في سبيل تحقيق هذا الهدف هو بناء المسجد؛ إذ المسجد هو أول ركيزة من ركائز بناء المجتمع الإسلامي ، ومن خلاله تتحقق الأخلاق الإسلامية التي هي أساس بناء شخصية المسلم بعد الإيمان.

فهذا الاستعراض لأهم الأعمال التي قام بها رسول الله ﷺ بُعيد وصوله للمدينة  والتي كان الهدف الأسمى منها إذابة الفروق البيئية والتباين الثقافي والعرقي بين المجنمع المكي المهاجر ومجتمع المدينة  الذين آووا المهاجرين ،وتكوين مجتمع موحد ومتراحم ،لامكان للضغينة والعداوة والبغضاء والشحناء والحقد والكره في قلوبهم ،بل يضحي كل منهم من أجل أخيه أو أخته ، فاستحقوا أن يشهد الله  لهم ذلك الفضل وتلك المزيّة ،وينزل آيات تتلى إلى يوم القيامة فقال تعالى :

﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رحَمَاءُ بَيْنَهُمْ …………..وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الفتح: 29]

وقال ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[ الحشر: 8]

وقال ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).

فبعد أن عشنا مع أصحاب رسول الله ﷺ في أيامهم الأولى من تكوين المجتمع المسلم ،ودولته ،وحرص الرسول ﷺ على بناء أساس متين من أواصر الأخوة والتعاون والتضحية من أجل ادخال السرور في نفس أخيه أوأخته ، نعود إلى مسلمياليوم (حجاج بيت الله الحرام ،وزوار مسجد رسول الله ﷺ) ، فلقد أشرنا من قبل  أن النسبة الكبيرة من حجاج بيت الله كانوا يتفانون في التضرع والتبتل  والاجتهاد في التقرب والتزلف إلى الله ، فتجدهم يمشون المسافات الطويل للصلاة في المسجد الحرام ، أو المسجد النبوي ،والسلام على رسول الله  ﷺ  ، ولكن الجانب المهم الغائب حين اجتهادهم في الطاعات في الحرمين ،أو في المشاعر المقدسة هو ابراز روح الأخوة والتراحم والعفو والصفح عن أخيه المسلم ،وخفض الجناح له/لها ، بل تشهد عكس ذلك ،فترى حاجا أومجموعة حجاج يدفعون الحجاج بقوة أويشدون الخناق عليهم ، فيؤذي اخوانه الحجاج بحجة أنه يريد أن يتقرب إلى الله فلقدأخبرني رجل أنه يظن أن احدي أضلاعه مكسورة بسبب رمي حاج بنفسه عليه ؛ليجد مدخلا إلى الحجر الأسود ،وكذلك عدم الشفقة بالنساء اللآئي يحاولن – وإن كان ذلك خطاً منهن- الوصول إلى الحجر الأسود فدخلت في التدافع حتى سقط منها الحجاب فانكشف رأسها وانكشفت رقبتها دون أن يعبأ بها أحدُ، ومثل ذلك مايحدث من لغو وخصومات وتدافع في صفوف الصلوات ، أوالسلام  على رسول الله ﷺ .

فحري بنا الآن أن نتساءل لماذا سادت وتحققت روح الأُخوة والمحبة والتراحم والتعاطف في المجتمع المسلم بالمدينة المنورة  في عصر النبي ﷺ ، ولاتتحقق في المسلمين الذين أتوا من جميع بلاد المسلمين ؛لأداء فرض من فروض الإسلام الذي لايمكن أداؤه في كل وطن على حدة ؟!

فالظاهر أن المسلمين في مجتمع المدينة كانوا كلهم في أرض ليس فيها حواجز وحدود ، بينما نجد أن مسلمي اليوم وُضع بينهم حدود وحواجز ، وتكوّن فيهم شعور بأن ابن بلده هو الذي يستأنس به ،أما أخاه المسلم الذي بجواره في الحرمين هو أجنبي يجب أن يحذر منه ، ولايستأنس به، ولايفسح له مساحة في الصف ، وهذه معضلة يجب أن يتدارسها القائمون بشؤون الحرمين الشريفين والوزارات المسؤولة عن شؤون الحج والعمرة  في العالم الإسلامي حتى يأتي المسلم الحاج لأداء فريضة الحج وهو مفعم بشعور الأخوة الإسلامية ،ويحب أخاه الحاج ويفتح له قلبه وقالبه

فلايتحقق مقصود الحج أوالعمرة إلا بتوعية الحجاج والمعتمرين عما حذرهم الله في قوله تعالى:  ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚفَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ[ سورة البقرة: 197]

والجدال معناه المخاصمة والمنازعة والمماراة بغير حق، فلا يجوز للمحرم بالحج أو العمرة أن يجادل بغير حق ،بل ينبغي أن يترك المراء ولوكان محقا ،كماورد في أحاديث خاصة في الحج.

وفي الختام

هكذا كان حال أول مجتمع مسلم كونه النبي ﷺ وربّاه في العالم ، وهكذا كانت سماته وصفاته التي أدت إلى سيادة العالم وقيادته ،وهذا هو حال أكبر تجمع سنوي للمسلمين  في عالم اليوم ،وهو يُذكّرنا بمجتمع المدينة من حيث التجمع والالتقاء في بقعة واحدة ، ولكن تغيب هنا ما مدح به الله ذلك المجتمع المدني في دولته المسلمة من خصال التراحم والتعاون والعفو والصفح.

فاللهم رُدّنا الى ديننا ردا جميلا ……….. وكل  عام وأنتم إلى الله أقرب

التعليقات معطلة.