مقدمة:
(الوسطية) من أهم خصائص الإسلام، ولها الدور البارز في إحلال أمتنا محلّها الأسمى في قيادة البشرية والشهادة عليها، يقول الله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} )البقرة: ١٤٣(. وهي سمة شاملة لكل قضايا الدنيا والآخرة، ومعلم من معالم إعجاز الشريعة، وصلاحها لكل زمان ومكان.
وهذا بلا شَكٍّ يُضاعف مسؤولية أمتنا ودورها العالمي، فهي أمة الشهادة على الناس؛ شهادة تصان فيها الحقوق، وتبني الحضارة المعاصرة، بعد أن شقي العالم بألوان الصراعات بسبب الصلف والتطرف والأحادية في الرأي، والشطط في الرؤى والمواقف.
أصيب هذا المصطلح بانحرافات وشطحات؛ في الفكر والسلوك، فوقع فيه الإفراط والتفريط، مما أبعده عن حقيقته وغايته، وأصبح مُلْتَبِسا؛ فكريا وسلوكيا، وهذا ما يدعو إلى توضيحه، وضبطه، والرجوع به إلى ينابيعه الصافية، فما المدلول اللغوي والاصطلاحي لمصطلح (الوسطية)؟ ولما حقيقته في أبعاده المختلفة؟ وما الخلل الذي طرأ عليه ؟
أولا مدلول الوسطية في اللغة والاصطلاح
الوسطية لغة :
تضبط كلمة (وسط) على وجهين؛ الأول وسط)؛ بسكون السين، فتكون ظرفا بمعنى (بین)، قال صاحب لسان العرب: وأما (الوسط) بسكون السين؛ فهو ظرف لاسم جاء على وزن نظيره في المعنى، وهو (بين) تقول : جلست وسط القوم؛ أي: بينهم. ومنه قول سوار بن المُضَرب:
إني كأني أرى من لا حياء له ولا أمانة وسط الناس عريانا
الوجه الثاني ( وسط ) ، بفتح السين، ولها معان متعددة، فتكون اسما لما بين طرفي الشيء، وهو منه، فتقول: قبضت وسط الحبل، وكسرت وسط القوس، وجلست وسط الدار ). وثاني صفة بمعنى خيار وأفضل، قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) [البقرة: ١٤٣)، كما تأتي بمعنى: عدل ، يقول ابن فارس: الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدل على العدل والنصف، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه (۲)
– الوسطية في الاصطلاح
(الوسطية) تعني المنهج القويم العدل الذي يُلاحظ الفطرة، ويُعالج الطبيعة، ويرد المجتمع إلى البشر؛ مع التماسك، ويُبعده عن الفساد والانحلال؛ مع الرحمة به، والتخفيف عنه. وإن هذا لهو الصراط المستقيم الذي علم اللهُ عِبَادَه أَنْ ينشدوه، وأن يطلبوا منه هدايتهم إليه ) (۳). وتعني كذلك الحق بين باطلين، والعدل بين ظُلمين، والاعتدال بين تطرفين، والموقف العادل الجامع لأطراف
الحق والعدل، الرافض للغلو إفراطا وتفريطا لأن الغلو الذي يتنكب الوسطية هو انحياز من الغلاة إلى أحد قطبي الظاهرة، ووقوف عند إحدى كفتي الميزان”
ثانيا – الوسطية في القرآن الكريم، والسنة النبوية، والتراث
الوسطية في القرآن الكريم:
أ) – مشتقات كلمة (وسط) في القرآن الكريم:
لم ترد كلمة (الوسطية) في القرآن الكريم وإنما جاءت بمعناها كما ذكر العلماء، وذلك في خمسة مواضع هي: (وَسَطًا)، و(الوسطى) و (أوسط) في موضعين، و(فوسطن)، وتفصيل ذلك فيما يلي:
– كلمة ( وَسَطًا): وردت في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَا: عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: ١٤٣].
– كلمة (الوسطى): وردت في قوله تعالى: حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى ) [البقرة: ٢٣٨].
– كلمة (أوسط): وردت في آيتين؛ الأولى في قوله تعالى : ﴿فَكَفِّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة: ٨٩]
والثانية : {قَالَ أَوْسَطُهُمُ الْوَأْقُل لَكُمْ لَوْلَا تُسَحُونَ} ( القلم 28). وعن معنى كلمة أوسطهم يقول ابن كثير : أي أعدلهم وخيرهم
- كلمة فوسطن : وردت في قوله تعالى: فوسطنَ بِهِ ، جمعا ) [ العاديات : ٥].
ب) آيات تدل على الوسطية؛ معنى لا لفظا :
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٧] ، وقوله أيضًا: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ بَدَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) [الإسراء: ٢٩]، وقوله سبحانه: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا وَاتَنكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) [القصص: ٧٧]. فالمعنى في الآيتين التوسط بين الإسراف والتقتير، وبين الميل إلى الدنيا أو إلى الآخرة.
۲ – الوسطية في السنة النبوية :
جاءت مادة ( وسط ) بكثرة في السنة النبوية ويُمكن تقسيم ذلك إلى قسمين:
أ – أحاديث وردت فيها مادة (وسط)، وتدل على الوسطية:
عن عبدالله بن معاوية الغاضري رضي الله عنه قال: قال النبيصلى الله عليه وسلم ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عبدَ الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أمو الكم؛ فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره (1). ومعنى من وسط أموالكم؛ أي: من أفضلها ). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن الهدي الصالح، والسَّمْتَ الصالح والاقتصاد جزء من سبعين جزءا من النبوة ) (1).
ب – أحاديث تُفيد الوسطية من دون ورود اللفظ :
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ الن يُنجي أحدًا منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟! قال: ولا أنا؛ إلا أن يَعْمَدَني الله برحمة، سددوا وقاربوا، واعْدُوا وَرُوحُوا، وشيء من الدلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا ).
وعن جابر ، قال: كنت أصلي مع النبي ﷺ فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا.
وعن أبي برزة الاسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “عليكم هديا قاصدا ( ثلاث مرات) فإنه من يشاد الدين يغلبه. ومعنى القصد في هذه الاحاديث التوسط بين طرفي التطويل والتقصير والتكثير والتقليل.
د. عماد محمد عبد الله

